الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
535
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والنذر التزام قربة أو صدقة بصيغة الإيجاب على النفس كقوله عليّ صدقة وعليّ تجهيز غاز أو نحو ذلك ، ويكون مطلقا ومعلّقا على شيء . وقد عرفت العرب النذر من الجاهلية ، فقد نذر عبد المطلب أنّه إن رزق عشرة أولاد ليذبحنّ عاشرهم قربانا للكعبة ، وكان ابنه العاشر هو عبد اللّه ثاني الذبيحين ، وأكرم بها مزية ، ونذرت نتيلة زوج عبد المطلب - لما افتقدت ابنها العباس وهو صغير - أنّها إن وجدته لتكسونّ الكعبة الديباج ففعلت . وهي أول من كسا الكعبة الديباج . وفي حديث البخاري أنّ عمر بن الخطاب قال : « يا رسول اللّه إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فقال أوف بنذرك » . وفي الأمم السالفة كان النذر ، وقد حكى اللّه عن امرأة عمران إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً [ آل عمران : 35 ] . والآية دلّت على مشروعيته في الإسلام ورجاء ثوابه ، لعطفه على ما هو من فعل الخير سواء كان النذر مطلقا أم معلّقا ، لأنّ الآية أطلقت ، ولأنّ قوله : فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ مراد به الوعد بالثواب . وفي الحديث الصحيح عن عمر وابنه عبد اللّه وأبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنّ النذر لا يقدّم شيئا ولا يؤخّر ، ولا يردّ شيئا ولا يأتي ابن آدم بشيء لم يكن قدر له ، ولكنّه يستخرج به من البخيل » . ومساقه الترغيب في النذر غير المعلّق لا إبطال فائدة النذر . وقد مدح اللّه عباده فقال : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [ الإنسان : 7 ] . وفي « الموطأ » عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من نذر أن يطيع اللّه فليطعه ومن نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه » . و ( من ) في قوله : مِنْ نَفَقَةٍ و مِنْ نَذْرٍ بيان لما أنفقتم ونذرتم ، ولما كان شأن البيان أن يفيد معنى زائدا على معنى المبيّن ، وكان معنى البيان هنا عين معنى المبيّن ، تعيّن أن يكون المقصود منه بيان المنفق والمنذور بما في تنكير مجروري ( من ) من إرادة أنواع النفقات والمنذورات فأكّد بذلك العموم ما أفادته ما الشرطية من العموم من خير أو شر في سبيل اللّه أو في سبيل الطاغوت ، قال التفتازاني : « مثل هذا البيان يكون لتأكيد العموم ومنع الخصوص » . وقوله : فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ كناية عن الجزاء عليه لأنّ علم اللّه بالكائنات لا يشك فيه السامعون ، فأريد لازم معناه ، وإنّما كان لازما له لأنّ القادر لا يصدّه عن الجزاء إلّا عدم العلم بما يفعله المحسن أو المسئ . وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ * .